مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

لا تفهمونا غلط

مؤتمر لاهاي .. وأوهام التغيير من الخارج




تابعتُ خلال الفترة الماضية بموضوعية ودقة مجريات «مؤتمر هولندا» الأخير، وانتظرتُ حتى أدرس وأتأمل في كافة تفاصيله وأبعاده، حرصاً على أن تأتي السطور عن قراءة منهجية متأنية، والتقطتُ المخرجاتِ وما صاحبها من ضجيج إعلامي وسجالات عبر المنصات الرقمية، فوجدتُ نفسي أمام تجسيدٍ جلي لإعادة إنتاج الحلقة المفرغة ذاتها من العمل السياسي المُدار من خلف البحار.
 لقد أعادتني متابعة هذه الفعاليات وما أسفرت عنه من بيانات إنشائية وأطروحات شعارية مستهلكة إلى طرح الأسئلة الجوهرية التي تفرض نفسها على كل ذي بصيرة: هل يملك من قادوا هذا المؤتمر أدوات قراءة الواقع المصري حقيقةً، فضلاً عن القدرة على قيادته؟ وهل تستطيع هذه العقليات التي تتنقل بين الصالونات الأوروبية وتحمل أجندات مدفوعة الأجر إحداث تغيير ملموس على الأرض؟ إن قراءتي التفصيلية لمشهد المؤتمر ومخرجاته تحتم عليّ تجاوز القشور الإعلامية والبيانات الصحفية، لتفكيك الدوافع الحقيقية للمنظمين، ورصد موقف الشارع المصري منها، وتقييم حجم العزلة الهيكلية التي تفصل بين طروحات الشتات ومتطلبات إدارة دولة بحجم مصر وثقلها الجيوسياسي.
يرتبط الحديث عن الفعاليات والتحركات السياسية التي تنظمها بعض القوى أو الكيانات في الخارج، مثل المؤتمرات التي تستضيفها بعض العواصم الأوروبية، بطرح تساؤلات ملحة حول مدى قدرة القائمين على هذه الفعاليات على القيادة، أو إحداث تغيير ملموس في الواقع المصري، ومدى ما يحظون به من ثقة لدى الشارع، وصولا إلى فهم الدوافع والمنطق السياسي المحرك لتنظيم هذه الأنشطة رغم اتساع الفجوة بينها وبين الواقع الميداني داخل البلاد ،وهناك مراكز للدراسات والابحاث الدولية عملت علي هذه الكيانات وما تقوم به ووجدت انها اجندات لا يعول عليها .
إن تقييم قدرة هذه المجموعات على القيادة أو صنع التغيير يتطلب قراءة متأنية للعديد من العوامل الجوهرية، يأتي في مقدمتها عنصر الانفصال التام عن الواقع المحلي. إن قيادة دولة بحجم مصر، أو التأسيس لتغيير حقيقي في بنيتها المؤسسية والمجتمعية، يتطلب بالضرورة وجودا ميدانيا راسخا وتفاعلا يوميا مع المواطنين بمختلف طبقاتهم وفئاتهم المهنية. والتحركات التي تعتمد بشكل كامل على المنصات الخارجية أو الفعاليات التي تُقام في المهجر تصطدم بعائق العزلة عن التوازنات الداخلية المعقدة، لتظل محصورة في إطار الظاهرة الإعلامية التي تفتقر إلى أي أدوات تنفيذية أو قواعد شعبية مساندة على الأرض.
يضاف إلى ذلك إشكالية الخطاب السياسي الصادر عن هذه التجمعات، إذ يلاحظ المتابع أنه يكرر الأطروحات والمفاهيم التقليدية ذاتها التي خبرها الشارع المصري سابقا وثار عليها. 
حيث تتجلى في هذا الخطاب غيبة الرؤى الاقتصادية والخطط الإستراتيجية الواقعية، حيث يستعيض القائمون على تلك المؤتمرات عن البرامج العملية بالخطاب الشعاري والإقصائي، متباعدين عن حقيقة أن إدارة الدولة تقتضي الامتلاك الفعلي لمهارات إدارة المؤسسات والاقتصاد والتخطيط، ولا تدار بالارتجال أو النقد السياسي المجرّد.
وينعكس هذا القصور المفهومي على الجانب الجيوسياسي ومفهوم الأمن القومي، إذ ينظر الشارع والمؤسسات الوطنية في مصر إلى القضايا السياسية من منظور ينطلق من الموقع الجغرافي الحرج والحدود الملتهبة بالمنطقة. القوى التابعة للشتات أو مؤتمرات الخارج تُغفل دائما تعقيدات الأمن القومي، والتهديدات الإقليمية على الحدود المختلفة، وتتعاطى مع ملفات الدولة بمنطق صراعي تبسيطي يجهل التحديات الجيوسياسية الضخمة التي تحيط بالبلاد وتستلزم أعلى درجات الاستقرار والتماسك الداخلي وهذا يدركه جيدا شعب مصر .
ولعل هذا الانفصال يتطابق أيضا مع الفجوة الهيكلية الناجمة عن التحولات الديموغرافية وظهور جيل الشباب الجديد؛ إذ إن تركيبة الشارع المصري والكتلة الشبابية الحالية اختلفت جذريا، فهناك جيل جديد لم يعايش صراعات العقود الماضية بنفس الإدراك، بل يتطلع لفرص عمل، وتكنولوجيا، واقتصاد حديث، ولغة رقمية متطورة ومصر تسير في هذا الاتجاه بقوة .
و استمرار تنظيمات الخارج في استخدام أدبيات وشعارات قديمة يفضلها كبار السن من القيادات التاريخية يجعلهم في حالة غيبوبة جيلية وعجز تام عن مخاطبة الفئات الشبابية التي تبحث عن أفكار مستقبلية لا مناكفات ماضوية.
أما من ناحية ثقة الشارع المصري في هذه الكيانات والرموز، فإن المعطيات والواقع التاريخي الملموس تؤكدان أن هذه الثقة تكاد تكون معدومة. يعود ذلك بصفة أساسية إلى ارتياب المواطن المصري المترسخ تجاه أي حراك سياسي يُدار من الخارج، اعتقادا منه بأن من ينصب نفسه بديلا أو معبرا عن تطلعات الناس يجب أن يعيش معاناتهم اليومية ويشاركهم تفاصيل أزماتهم من الداخل، لا أن ينظر عليهم من خلف منصات ومؤتمرات مرفهة بعيدة عن الوطن. كما يدرك الشارع أن الكثير من هذه التحركات يقع تحت طائلة الارتهان لأجندات الممولين أو الحسابات الضيقة لتيارات الشتات، وهي حسابات تتناقض غالبا مع الأولويات المباشرة للمواطن والمرتبطة بالاستقرار المعيشي والأمن. ناهيك عن مرارة التجربة السابقة التي جعلت لديه مناعة واضحة ضد إعادة استهلاك نفس الوجوه والخطابات التي أثبتت الأيام عجزها عن البناء أو الحفاظ على مقومات الدولة.
وتزداد أزمة الثقة تعقيدا مع الانقسام الأيديولوجي وتآكل الشرعية الأخلاقية داخل هذه الكيانات ذاتها، فهذه المؤتمرات ورغم رفعها شعارات التجميع والاصطفاف، تشهد في الواقع صراعات إرادات واتهامات متقابلة بالتخوين والفساد المالي بين أطرافها. 
هذا التآكل الداخلي والانقسام المستمر بين التيارات المختلفة في الخارج يسقط أي ادعاء بالقدرة على تقديم رؤية موحدة أو بناء بديل متماسك، يضاف إلى ذلك الغياب التام لآليات التقييم الذاتي والمراجعة النقدية، إذ يتجلى الفشل الاستراتيجي في الامتناع عن إجراء أي مراجعة لمسار سنوات طويلة من العجز، والاعتماد المستمر على لعب دور الضحية وتحميل الآخرين المسئولية، مما يمنع هذه الكيانات من فهم أسباب انفضاض الجماهير من حولها.
وهنا يبرز سؤال جوهري حول المنطق السياسي الداعي لعقد مثل هذه المؤتمرات ما دامت فرصة تأثيرها على الداخل شبه معدومة. يتضح من التحليل العلمي لهذه الظاهرة أن منطق انعقاد هذه الفعاليات لا يرتبط برغبة حقيقية أو قدرة على إحداث تغيير ميداني، بقدر ما يرتبط بأهداف الوظيفة والمصلحة الخاصة بالقائمين عليها. يستهدف تنظيم مثل هذه المؤتمرات إثبات الوجود والاستمرارية أمام الجهات المانحة أو الداعمة، وذلك لضمان تدفق الدعم المالي والتغطية الإعلامية، وتجديد شرعية بقائهم في المشهد. 
كما يعمل تنظيمها على خلق حراك إعلامي مكثف عبر إنتاج المحتوى المصور والبيانات، لإيهام المتابعين بوجود حركة متنامية على الأرض. إضافة إلى محاولة تصدير الخطاب السياسي للدوائر والمنظمات الغربية للضغط الحقوقي، فضلا عن محاولة التغطية على الانقسامات والتخبطات الداخلية التي تسود فصائلهم عبر الاستظلال بمظلة مؤتمرات مشتركة.
ختاما، ينبغي التأكيد على أن إدارة دولة بحجم مصر ومتطلباتها الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية المعقدة تحتاج إلى كوادر تمتلك خبرة مؤسسية حقيقية وتفهما عميقا لديناميات إدارة مؤسسات الدولة الوطنية، وهو ما تفتقر إليه طروحات الخارج التي تعجز عن تقديم بديل تكنوقراطي قابل للتطبيق. إن شرعية التعبير عن الوطن وقضاياه تظل حصرياً لمن يشاركون الشعب حياته اليومية ويرابطون داخل حدوده الجغرافية والمؤسسية، بعيداً عن الاستقطابات والتجاذبات والارتهان للحسابات الخارجية وصالونات العواصم الأوروبية.
مصطفى البلك
[email protected]